علي بن محمد البغدادي الماوردي

91

أدب الدنيا والدين

ولا نقرض عنهم بانقراضهم ولصاروا على مرور الأيام جهالا وبتقلب الأحوال وتناقصها أرذالا . وقد قال اللّه تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا تمنعوا العلم أهله فإن في ذلك فساد دينكم والتباس « 1 » بصائركم » ثم قرأ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ « 2 » . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من كتم علما يحسنه ألجمه اللّه يوم القيامة بلجام من نار » . وروي عن علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه أنه قال : ما أخذ اللّه العهد على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ العهد على أهل العلم أن يعلموا . وقال بعض الحكماء : إذا كان من قواعد الحكمة بذل ما ينقصه « 3 » البذل فأحرى أن يكون من قواعدها بذل ما يزيده البذل . وقال بعض العلماء : كما أن الاستفادة نافلة « 4 » للمتعلم كذلك الإفادة فريضة على المعلم . وقد قيل في منثور الحكم : من كتم علما فكأنه جاهله . وقال خالد بن صفوان « 5 » إني لأفرح بإفادتي المتعلم أكثر من فرحي باستفادتي من العلم . ثم له بالتعليم نفعان : أحدهما ما يرجوه من ثواب اللّه تعالى فقد جعل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم التعليم صدقة فقال : تصدقوا على أخيكم بعلم يرشده ورأي يسدده . وروى ابن مسعود عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « تعلموا العلم وعلموا فإن أجر العالم والمتعلم سواء » . قيل : وما أجرهما قال : « مائة مغفرة ومائة درجة في الجنة » . والنفع الثاني زيادة العلم وإتقان الحفظ فقد قال الخليل

--> ( 1 ) والتباس بصائركم : أي اشتباه الحق بالباطل . ( 2 ) اللاعنون : هم الملائكة والمؤمنون من الثقلين . ( 3 ) ما ينقصه البذل : هو المال ، فإنه ينقص بالنفقة . ( 4 ) نافلة : غنيمة وعطية ، والنفل لغة : اسم للزيادة ، سميت الغنيمة نفلا ، لأنه زيادة على ما هو المقصود من مشروعية الجهاد ، وهو إعلاء كلمة اللّه ، قهر أعدائه ، وفي الشرع : اسم لما شرع زيادة على الفرائض والواجبات ، وهو المسمى بالمندوب والمستحب والتطوع . ( 5 ) خالد بن صفوان : قال الجاحظ : ومن الخطباء المشهورين في العوام ، والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان الأهتمي ، زعموا جميعا أنه كان عند أبي العباس السفاح أمير المؤمنين وكان من سمارة وأهل المنزلة عنده ، وكان لفصاحته أقدر الناس على مدح الشيء وذمه . وقالوا : بخلاء العرب أربعة : الحطيئة وحميد الأرقط ، وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان .